البيداغوجيا الفارقية، فضلنا في البداية الحديث عن أهميتها في التربية والتعليم، ذلك أن الفروق الفردية تعكس طبيعة الاختلاف الذي أوجده الله تعالى في البشر، ونوعه في الطاقة والتحمل والاستيعاب والقدرات التحصيلية والأدائية والتواصلية للفرد، فهذا الاختلاف طبيعي و مكتسب في آن واحد؛ ونقول طبيعي لأنه يعود إلى طبيعة وبنية الفرد البيولوجية التي تختلف من فرد لآخر.

ومن جهة أخرى نجد أن الفروق الفردية المكتسبة يمكن أن يعود إلى التنشئة الاجتماعية والثقافية والحالة المادية والمعنوية للفرد أي من خلال تأثير المحيط، ونذكر على سبيل المثال أن الفرد الذي ينشأ في أسرة ميسورة ومثقفة ومنفتحة على محيطها الاجتماعي، غير الفرد الذي يعيش في أسرة على نقيض الأولى، فهناك العديد من الفروق الفردية التي تظهر على مستوى التواصل وطريقة التفكير وتمثل العالم الداخلي للفرد و العالم الخارجي عنه.
إذن يمكن القول أن الفروق الفردية طبيعية في التربية والتعليم، لهذا تم استحضارها في نظريات التربية الحديثة، بل أصبحت جزءا من الأداء الصفي ولا يمكن الاستغناء عنها في تحصيل جودته، ذلك كونها مكون من مكونات نظريات علم النفس المعرفي و واحدة من مفاهيم التدريس بالكفايا، و لهذا فرضت هذه البداغوجية نفسها وأصبح من الضروري التعاطي معها نظريا وتطبيقيا في التكوين الأساس للمدرس، لأنه يلامس الفروق الفردية في جماعة القسم بكل وضوح عند تقديم الدرس، فهناك من يستطيع أن يكتسب المعرفة والقيم والسلوكات والأداءات بوثيرة أسرع أو إيقاع تعلمي أسرع من الآخر الذي يجد صعوبة في فهم واستيعاب التعلمات، وهذا يبدي رغبة في تعلم مادة بعينها مقابل نفور الآخر منها؛ إذن لكي نحقق تعليما متوازنا يراعي طبيعة كل فرد على حدة أو على الأقل يراعي مجموعة أفراد على حدة،
فمن اللازم الاحتكام للبيداغوجيا الفارقية واستحضارها خلال العملية التعليمة التعلمية. ومنه نستنتج أن أهمية البيداغوجيا الفارقية تنبع من مراعاتها لقدرات وكفاءات كل متعلم على حدة وتأخذ بعين الاعتبار حالته الفردية، وبمفهوم آخر متقدم فهي عبارة عن تربية وتعليم تفريدي يستحضر الفرد كتميز داخل الجماعة يتكامل معها بخصوصياته البيولوجية والفسيولوجية والأدائية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والعقائدية.
من جهة أخرى هناك من يعبر عن الفروق الفردية بكونها تلك الانحرافات الفردية عن المتوسط الجماعي في الصفات المشتركة، إذ تشكل المقياس العلمي لمدى الاختلاف القائم بين الناس في صفة مشتركة، ولهذا ينبني مفهوم هذه الفكرة على التشابه والاختلاف، والتشابه النوعي في وجود الصفة والاختلاف الكمي في درجات ومستويات هذه الوجود.
وعلى هذا الأساس يجب النظر إلى الفروق الفردية بين الناشئين كونها اختلاف طبيعيا ، وقد تشمل جميع الجوانب الشخصية للفرد، فاختلاف الأفراد في الصفات كالوزن والطول، والنضارة والشحوب، والسمنة والنحافة، كذلك هناك اختلافات على مستوى الذكاء.
ومن هذا المنطلق على الآباء والمربون ألا يستغربوا من وجود الفروق الفردية في الذكاء وغيره من الاستعدادات العقلية المماثلة، في الميول والهوايات، والسمات المزاجية كالانطواء والانبساط، والانفعال والرصانة.